السيد محمد تقي المدرسي
164
من هدى القرآن
يرجح كفة الرهبة في النفس ، فجاءت الآيتان ( 34 - 35 ) لتحقيق المعادلة عند المؤمنين بالتأكيد على أن لهم جنات النعيم ، وأنهم لا يعذبون كالمجرمين ، ويرفع الله رجاء المتقين إلى أقصاه حينما ينفي تساوي المجرمين مع المسلمين الذين هم أقل شأنا من المؤمنين فكيف بالمتقين الأرفع درجة حتى من المؤمنين ؟ ومن جانب آخر يزيد من يأس المجرمين من الثواب حينما لا يفسح مجالا حتى لمجرد الاحتمال بأنهم يمكن أن يتساووا مع المسلمين بتقديمهم في الآية هكذا : ( المجرمين كالمسلمين ) وجعل مدارها حول الثواب بدل العقاب ، فإن الآية على حالها تجعل العذاب مسلما به للمجرمين ويبقى التساؤل عن مصير المسلمين هل يتبعونهم فيه أم لا ؟ . 2 - إن الجزاء في واقعه العمل ذاته الذي يقوم به كل إنسان خيرا أو شرا ، ولو أنه سبحانه أعطى للمجرمين جنات النعيم كما يعطي المسلمين له لكان الأمر من أحد جهاته جعلا لهم كالمجرمين ، وكأنهم لم يعملوا ما يتميزون به عنهم ، بل وكأنهم عملوا أعمالهم الإجرامية التي ساوت المصير والجزاء بين الفريقين ، وهذا ما ينكره كل عاقل سليم ، ويستنكره السياق : « مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ » يعني على أي أساس ومنهج ؟ ولا يملك المترفون المجرمون أمام هذا المنطق إلا التسليم له ونبذ الأمنيات الباطلة بالعودة إلى الحق وتحمل المسؤولية في الحياة بوصفها ضرورة وجدانية وعقلية . وإنه ليضعهم أمام واحدة من إجابتين : فإما أن يحكموا بالتساوي ، وهذا ما يرفضه كل عاقل ، وإما أن يحكموا بالاختلاف وأن الثواب للمسلم والعذاب للمجرم ( كما يحكم العقلاء ) فلا بد إذن أن يضربوا بظنونهم عرض الحائط ، ثم كيف يتمنون على ربهم ذلك الحكم الجائر وهو المنزه عن الظلم والجهل ؟ وما أظهر تسفيه هاتين الآيتين لبعض الفلسفات الصوفية المفرطة في الرجاء ، التي يستبعد دعاتها أن يعذب الله أحدا من الناس وهو الرؤوف الرحيم ، بل ويفسرون آيات العذاب القرآنية على أنها لمجرد التخويف وسوق الناس نحو العمل بالحق ليس إلا ! . إن أماني المترفين بالتساوي مع المؤمنين عند ربهم من العوامل الخطرة التي تدعوهم إلى التكذيب بالحق والحياة اللامسؤولة ، والتي تعيق فيهم أي سعي جاد ، بل وتبعث فيهم أسباب الإجرام . وأي قيمة تبقى للأحكام والحدود الإلهية إذا كفر الإنسان بحقيقة الجزاء وبأنه من جنس العمل ؟ ! وأي حافز للالتزام بأوامر الله ، والارتداع عن نواهيه يظل إذا كفرنا بالآخرة أو فصلنا بينها وبين الدنيا ؟ ! ولذلك يتصدى السياق حتى الآية ( 45 ) للرد على تلك الأماني والظنون . . وهكذا بعد أن أوضح أنها لا تستند إلى أي دليل وجداني ولا عقلي ينفي استنادها إلى الوحي المصدر الثاني للعلم الحق ، بل حتى إلى كتاب معتبر لدى العقلاء . « أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ( 37 ) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا يَتَخَيَّرُونَ » والكتاب الذي يدرسه الإنسان هو